17.10.09

تلخيص كتاب - التفكير المستقيم


بيانات النشر

العنوان: التفكير المستقيم والتفكير الأعوج, الطبعة الأولى

المؤلف: روبرت هـ. ثاولس

المترجم: حسن سعيد الكرمي

دار النشر: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب-الكويت

مكان النشر: الكويت

تاريخ النشر: أغسطس1979

عدد الصفحات: 220 صفحة من الحجم المتوسط

Bzy MzuzrzazdxA

تمهيد:

ليس كل كتاب جديراً بأن يقرأ ويفحص بتمعن ككتاب يساعدك في تحسين طريقة تفكيرك، التفكير الذي هو ضابط الغرائز والحاجات العضوية، ولئن كنا نريد النهوض وعلمنا أن الارتقاء الفكري وإقصاء العواطف عن القرارات المصيرية هو طريق النهضة، فليس أولى للدراسة من بحث موضوع التفكير، وأي التفكير سليم وأيه سقيم، وبالنسبة لي، فقد تمنيت بعد قرائة كتاب (التفكير المستقيم والتفكير الأعوج) أن يصبح هذا الكتاب مادة تدرس ويعتنى بها في المدارس وسنوات الجامعة الأولى لما رأيت من أهميتها في تقليل الاختلاف وفض النزاعات والتوصل للصواب دوماً.

وصف هيكلية الكتاب:

وقد جاء هذا الكتاب في أربعة عشر فصلاً، وفي مائتين وعشرين صفحة من الحجم المتوسط تحدث فيه عن طرق مختلفة في استخدام اللغة، والفرق بين بعض وكل، والاحتيالات والغش في الجدال، وبعض المغالطات المنطقية، والفرق بين الكلمات والحقائق أو الأمور الواقعية، وسوء استعمال التفكير النظري، ومعاني الكلمات، والتعريف وبعض الصعوبات التي تعترضه، وحيل الإيحاء، وعادات التفكير، والتحيز، والتبسيط المسرف في التفكير، ومزالق القياس ومهاويه، وآخراً التفكير المستقيم.

عرض مادة الكتاب:

مقدمة المترجم حسن سعيد الكرمي

كان من الصعب ترجمة هذا الكتاب لابتعاد اللغة العربية زمناً طويلاً عن معالجة القضايا التفكيرية المنطقية، والقراء العرب لم يعهدوا منذ زمن طويل التصدي لفهم أمور الفكر والمنطق باللغة العربية.

مقدمة المؤلف روبرت ثاولس

من المهم أن تكون الأمثلة المضروبة في مثل هذه الدراسات مستقاة من الحياة اليومية، كما أن الأمثلة السياسية التي يدور حولها الجدل قد تصرف ذهن القارئ عن طبيعة الحجة، ولكن القضايا الخلافية السياسية هي سبب كتابة هذا الكتاب فكان لا بد من الاستشهاد ببعضها.ولا يدعي مؤلف الكتاب أنه من ذوي التفكير المستقيم، بل يرى أن فهم طبيعة التفكير الأعوج هو من خلال مراقبة الذات وانتقادها.

طرق مختلفة في استخدام اللغة

المخاطبة والتفكير طريقتان في استخدام اللغة، فالمخاطبة هي الحديث مع الآخرين، أما التفكير فهو محادثة المرء لنفسه. إلا أن محادثة المرء مع نفسه لا تشمل التفكير كله... ولكنها ذلك الجزء من التفكير الذي يجري فيه استخدام اللغة. واستخدام اللغة يكون في: إعطاء المعلومات، والاستفهام عن واقع ما، والدلالة على موقف انفعالي، والاستفهام عن كيفية استخدام كلمة معينة(تعريف)، وطلب القيام بعمل ما. هذه بنظره هي أهم استخدامات اللغة، إلا أنه يوجد غيرها مثل نظم الشعر، وإلقاء النكتة، والمخاصمة، وفض الشجار، والإعراب عن التحية والسلام. والتفكير الأعوج ينشأ عن الخلط بين هذه الأنواع، كالخلط بين إعطاء المعلومة والدلالة على موقف انفعالي، مثل عبارة "ليس بالسهل التأثير عليك"، فهي إعطاء لمعلومة لا تحمل موقفاً انفعالياً، أما قولك "أنت متصلب وعنيد" فهي تعطي تلك المعلومة بالإضافة إلى موقف انفعالي سلبي. وهناك من الكلمات التي تعطي معلومة وتحمل انفعالاً ولكن لا يمكن استخدامها بشكل محايد، كقولك " هذا كتاب خبيث أو رديء". وهذا كله لا يعني أن هذه العبارات الانفعالية لا يجب استخدامها، ولكنها يجب أن تستخدم من أجل الدفع إلى بذل الجهد لشيء سبق التوصل إلى صحته. أما أن تستخدم في النقاشات السياسية وفي أسلوب التفكير بين المرء ونفسه للتوصل إلى القرارات الحاسمة فهو غير مقبول ويجلب الدمار، وعلى الناس أن يحترسوا أشد الاحتراس من الخطابات الانفعالية.

كل وبعض

يقارن الكاتب بين الإتيان بالشواهد المنتقاة كنوع من البرهان وبين فحص العلاقات العددية بين جميع الحالات الموجودة والتي هي عملية إحصائية معقدة، فهناك الكثير من الأقوال الخلافية التي كثيراً ما نناقشها، دون الوصول إلى رأي حاسم فيها، لأن صيغة هذه الأقوال موضوعة بحيث لا يمكن معرفة ما إذا كان المعنى المراد فيها هو كل أو بعض، كقول القائلين "ابن المدينة أذكى من ابن القرية" أو "ابن القرية أحذق من ابن المدينة" وهي صيغ ليس لها معنى في صيغتها الحاضرة ولا يمكن تأكيدها ولا إنكارها. فالقائل مثلاَ "الإنسان الأسود أقل ذكاء من الإنسان الأبيض" إذا استبدل قوله ب "كل إنسان أسود أقل ذكاء من كل إنسان أبيض" يصبح للجملة معنى وهو كذب صراح. أما صيغة البحث العلمي لهذه المسألة فتكون " في السود ميل إلى أن يكونوا أقل ذكاء من البيض" فهذه الجملة تحمل معنى يمكن للمختبرات والإحصاءات إثباته أو دحضه.

ورغم أن كثيراً من القضايا الخلافية يصعب التوصل إلى حقيقة صحتها من عدمها، فإن على المرء أن يتخذ رأياً حيالها، ولكن ليس له أن يثبت رأيه بإحضار شواهد من هنا وهناك تدل على صحة رأيه، لأن البحث السليم يستلزم عندها أن يتم فحص العلاقات العددية بين جميع الحالات الموجودة، والذي يشكل تحدياً في القضايا التي تتمحور حول المجتمعات والدول. ولذى كان يجب على أصحاب رؤوس الأموال أن ينفقوها في الأبحاث التي تدرس نفسيات البشر وقضاياهم بدل أن تنفق على الخطباء السياسيين والحملات الانتخابية وأبحاث الذرة، حتى تكون سياستنا قائمة على علم دقيق.

الاحتيالات والغش في الجدال

كما ذكر في البند السابق، فإن من يقول على سبيل المثال "كل الناس بخلاء" يسهل ضحده بمثال واحد، لذى يلجأ بعض الناس لحيلة الاعتدال كقول الرجل "بعض المسالمين جبناء" فيمكنه أن يدعي إثبات قوله بإحضار عدة شواهد عليه، فالمواقف المعتدلة يمكن الدفاع عنها بسهولة. وبعض الناس ينصب للمعتدلين فخاً كمن يجادل القائل بأن "بعض الناس بخلاء" وكما لو قال "كل الناس بخلاء" فرد عليه الأول وجادله فكأنما أقر أنه كان يقصد "كل الناس بخلاء" فهكذا يقع في الفخ. فإذا لم يقع المجادل في الفخ فقد تستخدم ضده حيلة التوسيع فيستدرج الخصم ليعمم أو يوسع قوله بنفسه عند احتدام الجدل كقول الرجل " يجب عليك إذن بحسب المنطق أن تقول كل الناس بخلاء".

وهناك أيضاً حيلة الروغان أو التحويل، حيث يحول المناقش الحديث بالإتيان بقضية لا تثبت القضية الأولى، إلا أنه واثق منها أكثر من السابقة. كقول القائل أن "قوانين التمييز العنصري في جنوب أفريقيا فيها ظلم على السكان السود" فيرد عليه آخر أن "هذا كلام فارغ لأن حكومة جنوب أفريقيا تنفق الكثير من المال لإنشاء المساكن للأفريقيين" ؛ فظلم القوانين، ليس له علاقة بإنفاق المال لبناء المساكن. فإذا أتي بهذا كبرهان، فيسمى برهاناً غير منطقي، أما إذا تحول النقاش إلى كمية المال المصروف لبناء المنازل للزنوج فهنا يكون الروغان.

ومن الروغان أيضاً التعلق بنقطة هامشية ذكرها الخصم أثناء بيان حجته، ويعمد إلى ضحدها موحياً أنه ضحد حجة الخصم كاملةً. أو يمكن أن يتمثل في التعليق على خطأ موجود عند الخصم إلا أنه لا يمت بصلة للموضوع، كأن يكون الجدال حول عدالة ملك من الملوك، فيرد الطرف الآخر بأن التاريخ الذي ذكره خصمه لموت ذلك الملك خاطئ، ويوحي في رده وكأنه ضحد الحجة، وتنجح عادة إذا جائت على شكل مزحة أو نكتة.

ومن الروغان كذلك الإتيان في الدفاع عن قول ما، بقول آخر لا يثبت صحة القول الأول ولكنه مرتبط بأمر ملتبس غامض على أمل أن يخشى الخصم أن يكشف عن جهل مشين إذا هو أقر بعجزه عن إدراك هذا الارتباط، كقول القائل "سمعت بأن معارضة بعض الناس رفع أجور العمال مبنية على أن الثروة لا تتجزأ". ويذكر نوعاً آخر من الغش وهو التثبيط عن بذل الجهد لمقاومة شر ما بتعليله بوجود شر أسوأ دون اقتراح حل لهذا الشر الأسوأ، كمن يدعوا إلى الكف عن نبذ تلويث الهواء بدخان المصانع بحجة أن التجارب النووية أشد تلويثاً للبيئة.

ومن أنواع الحيل أيضاً حيلة عرض رأي بين متجادلين يكون بمثابة موقف وسط بين موقفين متطرفين والحل الوسط تقبله النفس عادةً. إلا أن حقيقة الأمر أن كل رأي يمكن عرضه على أنه وسط بين طرفين، كما أن الحقيقة يحتمل لها أن تكون في الوسط كما يحتمل لها أن تكون في أحد الطرفين. وبالرغم من ذلك فهي حيلة منتشرة حتى في العلاقات بين الدول.

بعض المغالطات المنطقية

قد يلجأ أحدهم إلى الإتيان بمقدمتين منطقيتين إحداهما أو كلتاهما كاذبتان، ليتوصل إلى نتيجة ما، ولكن الشكل المنطقي للبرهان صحيح، فيختم برهانه منتصراً بقوله "وهذا شيء منطقي" ، وذلك كقول القائل "كل نباتات الفطر سامة، والفقع نبات فطري، إذن الفقع سام" ، فالصيغة المنطقية سليمة إذا جردناها (كل أ هو ب، ج من أ، إذن ج من ب) ولكن المقدمة الأولى من حيث الصحة خاطئة، فليس كل الفطر ساماً. كما يمكن استخدام هذه الخدعة بالعكس، أي الإتيان بمقدمتين صحيحتين، ووضعهما في جملة منطقية خاطئة كبرهان لنتيجة مرادة. كالقول بأن"الأوهام تتبع رغباتنا، والإيمان بخلود النفس ناتج عن رغبة، إذن خلود النفس وهم باطل. وهو كالقول: كل أ من ب، وكل ج من ب، إذن ج من أ. وهو كالقول "القطط حيوانات، والكلاب حيوانات، إذن القطط كلاب". وهو ما يسميه المنطقيون (مغالطة الحد الأوسط غير المستغرق). ويمكن استخدام هذه الخدعة بطريقة أكثر صعوبة في الكشف كالقول بأن"الاشتراكيين الذين يدعون بالاشتراكيين المعتدلين ليسوا إلا شيوعيين مستترين.. فهم يريدون نقل ملكية الصناعة من أيدي القطاع الخاص إلى الدولة. وهذا ما فعله الشيوعيون في روسيا". وطريقة تفادي الوقوع في هذه الخدعة وضع الرموز مثل أ ب ج بدل المقدمات والنتائج، أو أن نضعها في شكل هيكلي يسهل تحديد المقدمات المنطقية ونتائج البرهان.

وهناك أيضاًَ حجج أقل شيوعاً في المناظرات ولكنها شائعة أيضاً كالحلقة المفرغة وهي النتيجة بمقدمة ما، يكون إثبات هذه المقدمة وجود النتيجة نفسها، كالقول أن "دافع الغريزة يغلب على دافع الفكر لأنه الدافع الأقوى، وهو الدافع الأقوى لأنه تغلب غلى دافع الفكر". وأيضاً منها خدعة المصادرة على المطلوب أو افتراض صحة المسألة المطلوب إثباتها أصلاً. كمن يقول "جميع الإوز أبيض" وبافتراضه أن هذا صحيحاً يقول "وما نسميه إوزاً وليس أبيض ما هو بإوز".

الكلمات والحقائق أو الأمور الواقعية

تنشأ بعض القضايا الخلافية عن عدم التفريق بين الخلاف حول الحقائق والخلاف حول استخدام الكلمات... فإذا كان سنجاب يقف على جذع شجرة ورجل يقف بجانب الشجرة ويدور حول جذعها، والسنجاب يعادله في الدوران حول الجذع بحيث يبقى الجذع بينهما، فهل يدور الرجل حول السنجاب أم لا. ذلك يرجع لتعريفنا لمعنا "يدور حول"، فالاختلاف في مسائل كهذه وإن كانت أحياناً أكثر تعقيداً هو اختلاف في استخدام الكلمات وليس حول حقائق واقعية. وهناك قضايا يختلط فيها الخلاف اللفظي بغير اللفظي، فحلها يحتاج إلى تخليص اللفظي من الذي هو غير لفظي. كالقول "إن الدين ليس الإيمان بالله، بل هو الشعور بالوحدة مع التطور النشوئي" فقد يظن القائل نفسه عثر على حقيقة ما، إلا أن عمله لا يتعدى تحديد طبيعة استخدامه لكلمة "دين". وليس المعنى هنا إهمال القضايا اللغوية والكلامية، ولكن الفصل بين ما هو لفظي وبين ما هو واقعي، لاختلاف نوع البحث في كل منهما.

سوء استعمال التفكير النظري

قد يظن بعض الناس أن استخدام التفكير النظري وحده كفيل بإيصالنا إلى الصواب دوماً، إلا أن التفكير دون الحصول على الحقائق الواقعية الصحيحة يسوقنا إلى الخطأ والضلال. ومن أمثلة التفكير الأعوج في هذه النقطة استنتاج الوقائع بالبحث في وقائع أخرى. وهي كقول القائل "الإنسان لا يمكن أن يكون قد تطور عن القرود لأن الشيء الأعلى لا يمكن أن يشتق من الأدنى"، أو القول بأن "الفراغ لا يمكن حصوله لأن كل حيز غير مشغول بمادة أمر يتناقض بعضه مع بعض". وهكذا... فعلينا للتوصل إلى الصواب هنا أن نفحص الحقائق والوقائع. ومن الصيغ الشبيهة "كذا وكذا يجب أن يكون صحيحاً لأنه لا يتصور أن يكون خلاف ذلك". أو "كذا وكذا يجب أن يكون صحيحاً لأن صحته متضمنة في الطريقة التي نستعمل فيها اللغة". وهذه حجج باطلة كبطلان ضحد المكان غير الإقليدي رغم أنه موجود(وبما أننا نوسع باستمرار مدى ما نجد أن بوسعنا تصوره فإن من الواضح أننا لا نستطيع أن نسلم بعدم إمكانية تصور أي شيء كسبب كاف لأن نفترض بأنه غير ممكن الوقوع.) وهناك أيضاً مسألة تناقض الشيء بعضه مع بعض واعتبار التناقض مقياساً للصحة أو عدمها، لأن ما هو خطأ قد لا يكون كذلك بسبب ما نحاول أن نقوله عنه، وإنما بسبب الطريقة التي نقول بها قولنا عنه. فالمشكلة هنا عند الشخص وليست في الشيء، فهو معتاد على التفكير في الأمور بطريقة معينة، وعدم قدرته على تخيل نتيجة ما تجعله يرفضها بالكلية. ومثل هذا الشخص في رأي الكاتب يحتاج إلى التعود على (التفكير الإبداعي) أو التفكير الغير مألوف.

معاني الكلمات

بعض الكلمات واضحة تحمل معنى واحداً في الاستخدام اليومي، مثل كلمة إنسان، وبعضها يحتاج إلى تعريفه قبل أن تبدأ باستخدامه، لأنه يحمل أكثر من معنى محتمل لنفس الجملة، مثل كلمة الديمقراطية، والإرهاب، والحرية. ومن الضروري للمفكر أن يحدد معاني مصطلحاته بدقة دون لبس أو غموض، حتى لا يلتبس عليه الأمر فيستخدم نفس الكلمة بمعنى آخر في نفس الخطاب. مثل أن تستخدم كلمة العمالة بمعنى الشغل في المقدمة، ويليها نتيجة تترتب على العمالة ولكن بمعنى العمال هذه المرة. ويقول الكاتب (وعادة استعمال الكلمات التي لها معنيان أو أكثر ليس من السهل التمييز بينها قد يؤدي بنا إلى كثير من التفكير الخاطئ. وثمة شكل آخر من نفس هذا المرض أسوأ من الشكل الأول بكثير وهو استعمال كلمة ليس لها معنى واضح، وإنما لها في دلالتها ميل عام في اتجاه معين. ونحن بمثل هذا الاستعمال نكون مذنبين بالغموض، وهو عيب يستحيل معه أي تفكير دقيق وأية مباحثة معقولة). مثل كلمة "روحيّ" فليس لها واقع محسوس يشار إليه بالإصبع. ويقترح الكاتب أن يرجع الناس إلى المعاجم اللغوية كي لا تكثر الكلمات الغامضة بالنسبة لهم.

التعريف وبعض الصعوبات التي تعترضه

القدرة على التفكير الواضح وإيصال الأفكار للآخرين تستلزم القدرة على تعريف المصطلحات، وتكون بالرجوع إلى الصنف الرئيسي مع ذكر الخصائص التي تميز الفئة المعرفة عن غيرها من هذا الصنف. كمن يقول "الديمقراطية نظام من الحكم يكون الشعب فيه هو الحاكم". كما يشترط في الخصائص التي يقدمها التعريف أن تكون منتمية لكل ما يجب أن يشمله التعريف - أي أن تنطبق على واقعه-، ويجب أيضاً أن لا تنتمي إلى غير الفئة المعرفة في نفس الصتف العام.

وهناك قانون منطقي يدعى ((قانون الوسط المرفوع))، وهو أن شيئاً أ يكون إما ب أو غير ب، وهو كالقول "أن الناس قسمان: مجنون وعاقل، فالمجنون يكون عاجزاً عن التفكير المعقول "، والواقع أن المجنون الذي يقبع في مستشفى المجانين هو شخص غير قادر على التلائم والتكيف مع بيئته، ولو صنفنا الناس حسب مقياس التلائم لوجدنا تغييراً مستمراً بين الناس ومتدرجاً في هذه القابلية وباقي القابليات، ولما أمكن تحديد عند أي حد مثلاً يكون الجنون! وكذلك عند قياس الذكاء، فليس هناك فرق طبيعي بين الذكاء والبلادة والعته والبله، فكلها متصلة ببعضها ومن يضع الفواصل الوهمية بينها نحن، فمن التضليل التعامل مع كلمات وصف القابلية ووصف طرفين بينهما تغييرات متواصلة على أنها ذات فروق دقيقة واضحة في ما بينها. لهذا فالقول بأن ص لا بد له من أن يكون ع أو غير ع، غير سليم منطقياً إذا كانت ع صفة طبيعية متدرجة التغير.ومن الأخطاء التي يقع بها الناس أيضاً في هذا الصنف من الأمور المتدرجة التغير، وهو إنكار التغير بسبب تدرجه، كالقول أن "الأسود هو ذات الأبيض لأن الفاصل بينهما هو مجموعة لا متناهية من الدرجات اللونية الرمادية". أو أن اللحية وعدمها واحد بحجة أن حليق اللحية يبقى حليقاً لو أضفنا لذقنه شعرة، وكذا بشعرة إضافية، وهكذا إلى أن ننتبه في النهاية أنه أصبح بلحية دون أن نحدد الفاصل بينهما. والواقع أن اللحية وعدمها هما حدّا السلسلة وليسا ذات الشيء.

حيل الإيحاء

إذا داوم الإنسان على تكرار قول مرات عديدة بنبرة واثقة، دون حجة أو برهان، فإن المستمع يميل إلى تصديقه. وتقوم ركائز حيلة الإيحاء على : التكرار الجازم، والطريقة الواثقة المصرة، والوجاهة أو اصطناع الوجاهة. ومثال ذلك الملصقات التي تلصق في الدعاية الانتخابية ثم تأكيد ذلك بالدعايات الانتخابية الخطابية. وهناك عدد من الناس قد يلجأ إلى استخدام الوجاهة مع الجمل الغامضة لإقناع الخصم، والحل الوحيد لذلك هو الإقرار بالجهل وطلب التفسير، فإذا كان الغموض حيلة لم يستطع ذو الوجاهة أن يفسره إذا طلب ذلك منه.

ومن وسائل الإيحاء أيضاً أن يملي المناقش الحل ضمن الجواب، كأن يقول "أنت بالتأكيد لست مخالفاً لمبدأ الإصلاح الديني، أليس كذلك؟"،وحل ذلك يكون بعدم الإذعان بصحة الجواب. أو قد يتم ذلك بصياغة السؤال بطريقة يكون الجواب فيها دائماً مضراً بموقف الخصم، كقول القائل "هل الزراعة في البلاد ستستفيد من زيادة الأسعار التي ستنجم عن فرض الضرائب على المواد الغذائية المستوردة؟" فسواء كان الجواب نعم أو لا، فإن الخصم يكون مقراً بأن ضرائب المواد الغذائية المستوردة ترفع الأسعار. أو قد يأتي السؤال كمجموعة من الأسئلة يكون الجواب على أحدها نعم وعلى الآخر لا، وتصاغ في سؤال واحد له جواب واحد، فأي جواب منها يضر بالخصم. وحل هذه أن يجيب على أجزاء السؤال جزأ جزأً. ورغم استخدام حيل الإيحاء كوسيلة للغش في الجدال، فإنه من الواجب استخدامها في الخطابة لإحداث التأثير المطلوب، فالكلام في المحافل العامة يجب أن يكون بلهجة الواثق المعتدّ، واستخدام التكرار المتنوع في ظل هالة من الوجاهة، دون إهمال للأمانة الفكرية.

عادات التفكير

من المؤثرات الإضافية التي تؤثر في التفكير، (عادات التفكير) وهي الاتجاهات التي ينتهجها عقلنا عادة، (والتحيز والمحاباة ) وهي طرق التفكير المقررة سلفاً بتأثير عوامل انفعالية قوية تعمل لصالحها، أو بتأثير المنفعة الذاتية، أو ارتباطات المرء الاجتماعية مع جماعته أو الجماعات الأخرى. فمن الناس من يستغل تقبل الناس بحماسة لأفكار ولنرمز لها أ ب ج د كطعم ليتبعها بفكرة هـ والتي لن يقبلها الناس لولا هذا التمهيد، وهذا استغلال لعادات الناس التفكيرية. وحتى النقاط التي استخدمت كطعم، ليس بالضرورة أن تكون صحيحة لأن وضوح القناعة ظاهرياً بأمر ما لا يكون ضماناً لصحته. كما أن معظم حكمنا على الأمور يكون عادة نسبة إلى ما تعودنا عليه، فلو أهملنا الجانب النسبي من أفكارنا لشاهدنا العالم يصورة مختلفة وأقرب إلى الصحة. ومن المفيد في ذلك قرائة الكتب والاستماع إلى وجهات النظر التي لا تكون متماشية مع وجهات نظرنا، كما أن الواجب أن يكون من أغراض التربية والتعليم إحداث فضيلة تدعى (المرونة العقلية) وهي قدرة يمكن بواسطتها ارتياد سبل جديدة في التفكير والوصول إلى افتراضات خارجة عن المألوف. وفي النهاية يقول الكاتب بأن عدم مرونة العقل قد تؤدي إلى إفناء الجنس البشري، بسبب ما توصلنا إليه من نتائج عوجاء.

التحيز

أحياناً تلعب مصالحنا الآنية دوراً في توصلنا للنتائج غير الصحيحة، وحتى المثقفون ينزلقون في هذا الخطأ، وحتى أن المثقف يمكنه أن يصوغ لهذه النتيجة جملاً تكون قوالبها المنطقية صحيحة فيصعب تفنيدها رغم خطئها. وإذا حصل وخلخل أحدهم عماد هذه الأفكار التي تحمي ميوله الدفينة وتبررها، تلجأ هذه الأفكار إلى حماية نفسها بالغضب والعنف. كمن يراهن على فوز حصان بالسباق، ويأتي من يجادله في أن هذا الحصان سيكون الأخير، فهو سوف يجادل جدالاً عنيفاً لأن تقبله لفكرة الخصم تعني عدم استقراره داخلياً. والمشكلة تكمن في أن العواطف التي تدفع الإنسان للتحيز تكون غامضة بحيث لا يظهر له أن هذه العواطف (سواء كانت حاجات بسيطة واضحة أم مشاعر مكبوتة من الطفولة) هي التي تسيره، بل يرى أن آراءه مبنية على المنطق المعقول. ودعم المعتقدات بهذه الصورة العقلية إن كانت الأسس منافية للمعقول يسمى (تخريجاً). وفي مقدور أي شخص له ذهن حاذق أن يخرج أي معتقد مهما كان المعتقد سخيفاً. والطريقة الوحيدة للتحرر من تحيزاتنا هي تقييم أنفسنا بنفس الطريقة التي نقيم بها غيرنا عند تحيزهم. فيجب أن نشك في آرائنا عندما تتوافق مع ما نشتهي أن يكون، وعندما نغضب إذا شكك أحد بها، فالأمور التي تلتبس وانفعالاتنا النفسية يجب أن تتم موازنتها مع آراء المخالفين. كما أن الاعتماد على الذاكرة في الاستدلال بالمنقولات، يؤدي إلى التحريف من دون وعي.ومن الحيل التي يستخدمها المتحيزون ما يسمى ب (الجواب الخاص) وهو استعمال حجة في سياق معين، إذا استخدمت في السياق الآخر تعتبر خاطئة.

التبسيط المسرف في التفكير

مع أن البت في القضايا يحتاج دائماً إلى دراسة واقع الشيء دراسة عميقة تفصيلية مع ما يحيط بها مع وجود كثير من المعطيات الغير مؤكدة، إلا أن الناس تلجأ إلى حذف التعقيدات والأمور غير المؤكدة وإلى تبسيط الأمور وكأن التبسيط هو التمام والإلمام، فهم يختصرون نظرية داروين إلى "أصل الإنسان قرد"، ونظرية فرويد إلى "الجنس كل شيء"، ونظرية إينشتاين إلى "كل شيء نسبي"... وتكون المشكلة الكبرى عندما تناقش قضية بشكل مبسط يوصل إلى نتائج خاطئة، فيؤمن بها الشعب، فإن أي مناقش للموضوع بشكل عقلي متعمق سيقابل بالرفض الشعبي ظناً من الناس أنه إنما يريد التوصل إلى نتيجة خاطئة بواسطة الحذلقة.

ومشكلة الأفكار السطحية أيضاً أنها سهلة الحفظ والانتقال من شخص لآخر. ورغم أن هذه مشكلة، إلا أن جملاً بسيطة كالشعارات، لا يمكن إيصال الأفكار المغقدة إلى عامة الناس دون استخدامها. فالشعار والأفكار المبسطة يجوز استخدامها لتحريك الشعب، ولكن لا يجوز استخدامها للإقناع! كما أنه من الخطأ عند رؤية فريقين لهما نفس الحجج المقنعة عدم اتخاذ رأي فيما يقولان، فأنت إذا اعترض طريقك شيء فإما أن تذهب يميناً أو يساراً وكلتاهما صحيح، ولو استمررت بالسير قائلاً لا أحد منهما أصح من الآخر فإنك سوف تصطدم بلا شك في ذلك الشيء.

مزالق القياس ومهاويه

يبدأ الكاتب هذا الفصل بالإشارة إلى أن استيعاب الإنسان للأمور المجردة يكون أفضل إذا قيس على الأشياء المحسوسة، ومن باب التشبيه للفهم، فهذا شيء مستحب، أما إذا أورد هذا التشبيه للحجة والإقناع فإن الأمر يصبح أكثر تعقيداً. وتكون الحجة بشكلها المجرد على الشكل: إذا كان للشيء أو الحادث (ن) الصفتين (أ) و (ب) وكان لل(م) نفس الصفتان فإن الصفة (ج) التي تنتمي إلى (م) يجب أن تنتمي أيضاً إلى (ن)... (وهذه حجة غير مقنعة البتة). فالحوت والسمكة لهما جسم متشابه ويعيشان في الماء، ولكن هذا لا يعني أن صفة التنفس عن طريق الخياشيم والتي هي للسمكة موجودة عند الحوت! وقد يستعمل القياس بصيغة مستترة كحجة بقصد أو غير قصد في ما يسمى بالمجاز في اللغة كقول القائل، (حشو ذهن الولد بالمعلومات)، ولكن هذا لا يعني أن استخدام القياس خاطئ، ولكنه خطوة على الطريق حتى إذا تبين ما بعدها طرحت أرضاً، فهو يستخدم ليهدي إلى ما هو متوقع، وليس إثباتاً لنتيجة. لكنه مثل الشعارات، يترك ميلاً عند الناس لتصديق النتيجة فالخطيب الذي يقول ((أ هي ب كما أن ن هي ج)) يكون ذا شعبية أكثر من ذلك الذي يتوقف عند ((أ هي ب))، فهذه هنا تسمى (الحجة بالقياس وحده).وهناك نوع من الحجج يسمى (الحجة على أساس القياس المتكلف) فتكون قياساً بين شيئين ليس بينهما شبه، ولكن القائل يدرك بوعي أو غير وعي أن مجرد استخدام القياس كفيل بالتأثير على السامعين، كمن يقول (الفضيلة تنمو إذا سقيت بمطر الحرب الأحمر).

التفكير المستقيم

بعد أن عرض الكاتب كافة أساليب التفكير الأعوج والغش، يريد هنا أن يتبين ماهية التفكير السليم، وبيدأ بالقول أن على الطرفين أن يتحليا بالتواضع لأن المناقشة يجب أن تكون للبحث والتنوير وليس للدعاية والإقناع، ويكون لدى الطرفين الاستعداد لتغيير آرائهما في حال اكتشفا أنها هي الخاطئة. ويكون ذلك بأن يعطي الخصم خصمه معلومات لم يكن يعرفها، أو أن يظهر الخصم لخصمه التناقضات في آراءه. ونحن نريد التفكير السليم لتكون أفعالنا سليمة. ومع أن الإنسان بدأ يدخل التفكير الواعي إلى مجالات الحياة، إلا أن كثيراً من المجالات الحياتية المختلفة، يسيطر عليها الكسل الفكري والغموض، وتترك للمصالح والأهواء، خصوصاً في السياسة والاقتصاد. ويصل إلى نتيجة في ذلك مفادها أن التراخي في استعمال السيطرة الذكية لا يؤدي إلا إلى الكوارث التي لا مفر منها، وأن السيارة التي تقرر مسارها القوانين الميكانيكية وحدها لا بد أن تكون على طريق الهاوية.

تعليق على الكتاب

موضوع الكتاب من المواضيع التي يستتفهها البعض وقد يغفلون عنها أصلاً، رغم ما لها من أهمية على جميع الأصعدة، ولعل السبب في ذلك أننا يئسنا من التفكير النظري لكثرة استخدامنا الخاطئ له مما يوقعنا في المآزق دائماً، مع أن الطاقات الفكرية لدى الإنسان هي السبيل الوحيد لتنظيم وترشيد طاقاته الحيوية التي يشترك بها مع الحيوان، والحقيقة أنني استفدت من قراءة هذا الكتاب أكثر من معظم الكتب التي قرأتها في حياتي.

وبالنسبة لطريقة طرح الكاتب لهذا الموضوع، فقد كانت بعيدة عن الملل، فالكاتب كان يستشهد بأمثلة من الواقع قريبة من الحياة اليومية، مما يجعل كل إنسان يستمتع بمقارنة طريقة تفكيره ومجادلته بالأمثلة التي يأتي بها الكاتب، إلا أنني لا بد أن أضيف شيئاً أغفله الكاتب، وهو أن التفكير بشكله العام، سواء أكان خطاباً مع الذات، أم تصوراً للواقع الموجود لفهمه، أم غير ذلك، فهو حكم على واقع، فتعريف التفكير هو أنه حكم على واقع.

من الواضح للقارئ أن الدكتور روبرت هنري ثاولس المحاضر في جامعة كامبردج، ضليع في الدراسات النفسية الاجتماعية، ومتمكن منها، فهو يطرح موضوع التفكير بطريقة نفسية اجتماعية علمية موضوعية، ولديه أسلوب مؤثر وتفكير عميق واعٍ.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق