17.10.09

الحقيقة والوهم


تحياتي للجميع...

هذه المقالة ستتحدث عن الحقيقة والوهم.. كيف نميز بينهما، وكيف نعرف الحقيقة وننسجم معها، وفي المقام الأول، هل هناك حقيقة؟ ولماذا نحتاج أن نعرف الحقيقة وننسجم معها؟


البداية

في البداية أريد أن أشير إلى أن الإنسان برع في علوم المنطق والفلسفة منذ القدم، لقد لاحظ الإنسان منذ وجوده على الأرض كما تلاحظ كل الحيوانات أن المواد المحيطة به تسير باتساق معين، بمعنى أن لها مسارات طبيعية، سبباً ونتيجة، قوانين ثابتة، فمثلاً، الشمس تشرق كل يوم من الشرق وتغيب من الغرب، وسقوط المطر يرافقه تلبد السماء بالغيوم، وإفلات صخرة من مكان مرتفع يؤدي إلى سقوطها، لقد تعلم الإنسان من خلال معايشته للطبيعة في سعيه للبقاء فن المنطق، أي اتساق الأحداث وتتابع السبب والنتيجة، وكان تطور المنطق ملازماً لتطور اللغة، فكلما كانت قدرة اللغة في المرادفات والترابط أعلى، كانت قدرة مستخدميها على استخدام المنطق والجمل المركبة والمتسلسلة بشكلٍ أكبر.

غير أن المنطق وحده لا يعني الصحة.. الحقيقة هي الواقع الموجود خارج ذهن الإنسان، إذا كانت الفكرة صحيحة فهذا يعني أنها مطابقة للواقع الخارجي للإنسان، وإذا كانت الفكرة خاطئة فهذا يعني أنها تتعارض مع الواقع الموجود خارج ذهن الإنسان.

إذاً هناك حقيقة... الحقيقة هي مطابقة الفكرة للواقع الخارجي... وكيف نعرف الواقع الخارجي؟ الجواب: بالحواس الخمس، أليس كذلك؟ ولكن الحواس تتعارض أحياناً، فقد نسمع صوتاً نظنه صوت مخلوق مخيف يزمجر، بينما يتبين في النهاية أنه صرير الرياح من بين فراغ ضيق بين الأبنية مثلاً... فكيف نكون متأكدين أن ما يصلنا من الحواس هو صحيح؟ الجواب: نعرضه للتشكيك بواسطة الحواس الأخرى ونغير الظروف المحيطة به (إجراء التجارب) ونقيس تطابق هذه المصادر المختلفة وبذلك يتبين لنا فيما إذا كانت متسقة وكلها تشير إلى تلك الحقيقة أو إلى ذلك التفسير، أو فيما إذا كانت متعارضةً وبالتالي نبحث عن تفسير آخر أكثر ترابطاً، وهذا يرجع إلى القاعدة الأساسية التي اكتشفها الإنسان من خلال عيشه مع الطبيعة، وهي (الاتساق: الكون يسير ضمن علاقات محددة يمكن قياسها ومعرفتها والتنبؤ بنتائجها وهو قابل للدراسة والمعرفة ولا يتعارض مع ذاته).

التجاهل والخرافة والمعرفة

يمكن أن أفسر ظاهرة سقوط الشهب والنيازك المضيئة بأنه وقوع لصخور كانت تسبح في الفضاء بفعل انفجار أحد الكواكب أو ارتطامٍ في الأجرام السماوية وبالتالي يمكن أن أصنع أدوات لمراقبتها وأدواتٍ أخرى لتفتيتها في حال كان أحدها كبير الحجم بما يكفي لإيقاع الأضرار على الأرض. أو يمكن أن أفسرها بأنها محاولة (للشياطين) لاستراق السّمع من (الملائكة) في السماء لمعرفة المستقبل فيقذف (الله) هذه الشهب على (الشياطين) ليردهم خائبين كما يحاول البعض تفسير آيات القرآن الكريم بصورةٍ حرفية، والغريب في هذا التفسير أن أصحابه يقولون أن هذه المحاربة للشياطين بدأت فقط عندما ولد النبي محمد ص وقبل ذلك كانت عملية الاستراق من الملائكة مفتوحة، ثم نسمعهم يقولون، أن هناك كشفاً علمياً هائلاً بأن الحديد إنما نزل من السماء وهذا مصداق للآية "وأنزلنا الحديد" !! كيف نزل من السماء، ألم ينزل على شكل نيزك؟ هل اكتشف الحديد فقط بعد وجود النبي وقبلها لم يكن هناك نيازك؟ في الواقع، فإن الحديد مثبتٌ علمياً أنه يتشكل في باطن الأرض تحت درجات حرارات عالية ويخرج عن طريق البراكين وهذا موضوعٌ آخر، ولكن النيازك موجودةٌ منذ الأزل وآثار النيازك الضخمة موجودةٌ إلى الآن في كل بقاع العالم والقمر مليء بالكدمات من جراءها، ولكن الإسلام يتصور أن هذه النيازك صواريخ جو جو يقذف بها (الله) بكل قوة (الشياطين) ليوقفهم عن استراق السمع!!! وأن هذا هو السبب لوجود النجوم كونها "رجوماً للشياطين" علماً أن النجوم شيء، والنيازك والشهب شيءٌ آخر.

أنظر لهذين التفسيرين، هل يستويان مثلاً؟ الأول، ساعدنا لكي نتجنب وقوع الكوارث والأخطار لأن معرفة الحقيقة الصافية كما هي، وبعيداً عن الأوهام والتبريرات والتعقيدات، وبسبب اتساق الطبيعة، تجعلنا قادرين على التنبؤ بالنتائج المستقبلية، وبالتالي تجنب الأخطاء والكوارث، وتصميم الأدوات التي تنسجم مع هذه الحقيقة للوصول لأهدافنا وراحتنا. هذا هو الفرق بين الحقيقة والوهم، أن الوهم غير منسجم مع قوانين الطبيعة ولا يفيد بشيء! وهذا هو الفرق بين الحقيقة والوهم، أن الوهم وإن أشبع فضولنا وأقنع حاجتنا للأجوبة والمنطق، فإنه لا ينسجم مع الطبيعة ويؤدي إلى تجاهل الحقيقة والوقوع في الأخطاء والكوارث!! وهذه هي الحاجة إلى معرفة الحقيقة.. حاجة الإنسان للانسجام مع الواقع المحيط والتكيف والوصول لحلول للمشاكل الحقيقية المادية، وللانسجام الداخلي بين أفكاره من جهة وبين ما يحمل من ذكريات عن الواقع المادي.

هل بعد هذا التوضيح من شك؟ هل هناك شك أن هناك حقيقة؟ هل تقول أن الحواس ربما تكون وهماً؟ إذاً فقرائتك لهذه المقالة وهم ولا شيء حقيقي، وبالتالي لا ضير من إكمال هذا الوهم طالما أنه متسق ولا مجال للخروج منه. هل هناك شكّ أن الإنسان يحتاج لمعرفة الحقيقة؟ إذاً لا حاجة عندما تمرض للذهاب إلى الطبيب ليكشف عن حقيقة مرضك!!! ما لكم؟ كيف تحكمون؟؟

أسس التوصل للحقيقة

1- ما لا يمكن تخطئته بالتجربة والمراقبة لا يمكن إثباته كذلك، ولا يتعدى كونه وهماً لا أصل له... مثالٌ على ذلك؛ أنا سريع، وإن كان لديك شك بأنني سريع، أتحداك أن تركض مثلي! هذه الجملة فضفاضة إلى أقصى الحدود وهي من أكثر الجمل التي أكرهها لأن صاحبها عادةً ما يكون شديد الثقة وكأنه أتى بدليل قوي لا يمكن دحضه. وفعلاً لا يمكن دحضه، ليس لأنه صحيح، بل لأن الأساس الذي يقوم عليه التحدي معدوم، فهذا الشخص لم يحدد صفات معينة يمكن قياسها عندما ألقى بجملته هذه؛ لاحظ أنه قال "أن تركض مثلي"، فوضع ركضه هو، بالمقارنة مع ركض من يخضع للتحدي، ولكن لم يضع صفاتٍ محددة للمقارنة، فيكون التحدي شاملاً لكل الصفات، ومن المعروف أن لا أحد يمكنه الركض مثل الآخر تماماً، بمعنى أن يعيد نفس الخطوات بنفس السرعة وبنفس التفاوت فيما بينها وبنفس مقدار الاستقامة واعتدال أو انحناء القامة وعلى نفس المكان!! حتى الشخص نفسه لا يمكنه أن يفعل ذلك مرةٌ أخرى.. ماذا يقصد إذاً، هل يقصد السرعة، لو أنه حدد السرعة كصفة لأمكن في ذلك الوقت قياس التحدي وصار تحدياً صالحاً، لأن السرعة صفةٌ مادية يمكن قياسها وليست وصفاً مجرداً، فمثلاً، لو كان يركض بسرعة 5 كم بالساعة، فيمكن إجراء التحدي وتخطئة ادعاء صاحبه بقياس سرعة الراكض الآخر، فإن كانت على سبيل المثال 5 كم بالساعة أيضاً، فقد سقط التحدي!!! مثالٌ آخر؛ عندي تنين وردي اللون أجنحته براقة وفمه مدبب وينفخ النار ويطير عالياً محلقاً في السماء، وعندما تسمعني أقول ذلك، ستقول مبتهجاً "هذا رائع! أرني إياه، أريد أن أراه فقد أثرت فضولي". ولكني أجيبك، لا يمكن أن تراه فهو غير مرئي، فتقول لي "إذاً هل يصدر صوتاً فأسمعه، أو أن له ملمساً ما فأحسه وأعرف على الأقل ملمس جلده البراق" فأقول لك بأن هذا التنين ليس فقط غير مرئي، هو كتومٌ لا يصدر صوتاً، ولا يمكن أن تلمسه فهو يعيش في بعدٍ آخر لا يمكن لنا نحن البشر أن نتواصل معه. فتقول لي "هل تصلنا منه إذاٌ إشعاعات كهرومغناطيسية منتظمة تشير إلى وجود جهازٍ عصبي، أو إلى وجود ارتفاع في درجة الحرارة عند نفخه للنار بحيث يمكن أن نقيسها بجهازٍ ما"، فأجيبك بأنه في بعدٍ آخر كلياً، لا يمكن أبداً أن تقيسه بأدواتنا البشرية المحدودة. فتقول أنت "إذاً كيف تعرف حضرتك بأن هذا التنين موجود، عذراً!!" فأقول بأنه اختار أن يكلمني، وقال لي فيما قال بأنه هو سبب تطور الحيوانات من خلال النار العجيبة التي كان ينفخها على الكائن الحي فإذا بالكائن الحي الذي أمامه يتطور، وأخبرني أيضاً بأن الإنسان تطور عندما نفخ هو على قرد. ستقول لي حسبما أتوقع منك "حظاً أوفر في أوهامك القادمة". ما لا تستطيع تعريضه لتجربة يمكن أن تخطّئه، لا يمكن أن تثبت صحته. ما يعتمد على الإيمان والثقة العمياء ولا دخل له بالواقع الخارجي الذي يمكن الإحساس به وتجربته وتخطئته، لا سبيل إلى اعتباره أكثر من وهم.

2- الحقيقة شاملة يمكن إعادة تعديلها واستخدامها في كل الكون، لأن الكون نفسه متسق ويسير بنفس القوانين والمسار الطبيعي في كل أجزاءه. ولذلك، فإن الحقيقة هي التي تستطيع من خلالها تفسير الماضي والحاضر، والتنبؤ بنتائج المستقبل ضمن مسارها الطبيعي. فمثلاً: جلد الإنسان قادرٌ على تحمل كميةٍ محددة من الضغط، عند زيادتها فإن هذا الجلد سيتمزق أو سينفجر، هذا يفسر لنا لماذا عند استخدام نفس القوة بسكين حاد وبعلبة معدنية من نفس المعدن خالية من الحواف، فإن السكين ستجرح الجلد بينما العلبة لا تجرحه، لأن الضغط يعتمد على القوة نسبةٌ للمساحة، ومساحة طرف السكين صغيرةٌ جداً، فتتركز القوة بضغط كبير يخترق تماسك الجلد، أما في حالة العلبة، فإن القوة تتوزع على سطح المعدن ويقل الضغط فلا يخترق الجلد. وعند حساب مقدار الضغط الذي نحتاجه لتمزيق الجلد، يمكن أن نحسب عند قذف حجر ما بسرعةٍ محددة وبحجم وكتلةٍ محددة، يمكن أن نعرف فيما إذا كان سيجرح الجلد أم لا.. وهذا ما يجعل هذا التفسير يصنف تحت بند الحقيقة. أما ما ينجح أحياناً ولا ينجح أحياناً، فهو ليس سبباً في النتيجة التي يدعيها، مثلاً؛ ذهبت إلى المشعوذ فقام بشعوذته فشفيت، وذهبت إليه مصاباً بنفس المرض وقام بنفس الشعوذة ولكن مرضي زاد، يجب علي أن أعرف وقتها أن الشفاء الأول لم يكن منه، أو حتى لم يكن شفاءٌ، ربما كان انخفاضاً مؤقتاً في حدة المرض. لكي تنفي تفسيراً ما، ما عليك إلا أن تأتي بمثال واحد يبين تعارض التفسير مع الواقع.

3- الاتساق المنطقي: وهو الخلو من التناقض، أي أن طريقة استنتاج الجملة لا تتجاهل التسلسل المنطقي ولا تعطي نتيجةً لا يقتضيها ذلك التسلسل. وفي حالةٍ أخرى من التناقض، أن تتكون الجملة من عباراتٍ تنفي بعضها بعضاً. مثالٌ على الحالة الأولى؛ المعلومة الأولى:عصفور الحنون يأكل بذور السمسم\ المعلومة الثانية: على الشجرة أمامي هناك عصفور حنون \ إذاً: لو وضعت القليل من بذور البطيخ في فخ فسوف أوقع به.. هذا الاستنتاج خاطئ، لأن انجذاب العصفور لبذور السمسم لا يعني بالضرورة انجذابه لبذور البطيخ. ومثال على الحالة الثانية؛ عندما أقول بأن السرقة عم أخلاقي، فأنا أقول بأن تملكي لملكية غيري عملٌ أخلاقي، لأن السرقة فيها احتفاظ وملكية لحق التصرف لشيء كان شخصٌ آخر محتفظاً به وبحق التصرف فيه. إذاً أنا عملياً أقول: الاحتفاظ بالأشياء وحق التصرف فيها أخلاقي، وأقول أيضاً: أخذ الأشياء من شخصٍ يحتفظ بها ويملك الحق بالتصرف فيها أخلاقيٌّ أيضاً. هل ترون التناقض؟ لقد أقررت حق الملكية ونفيته بنفس الوقت، كيف يكون حق الملكية موجوداً وغير موجودٍ بنفس الوقت.. من هنا مثلاً نعرف أن السرقة لا يمكن أن تكون عملاً أخلاقياً بأي وضع أو بأي حالٍ من الأحوال.

4- الانطباق على الدليل المادي التجريبي: وهذه لا تحتاج للشرح، لأنها من التعريف نفسه، من تعريف الحقيقة. بمعنى أن الحقيقة ككلمة نستخدمها في اللغة إنما تشير إلى انطباق الجملة على العالم المادي الواقعي الحقيقي المحسوس ال... إلخ.

5- إذا وجد لدينا تفسيران منطقياً، فالأبسط (بمعنى الأقل حاجةٌ إلى التبريرات المختلفة والمعقدة والأفكار الإضافية لكثرة التساؤلات حوله وتناقضه) يكون هو الأصح. مثال؛ عندما اكتشف الناس كوكبي زحل وأورانوس وشكل حركتهما، لم تستطع نظرية مركزية الأرض تبرير هذه الحركة، واضطر العلماء في ذلك الوقت إلى وضع مسارات ودوائر معقدة ومتداخلة لتبرير حركة هذين الكوكبين، ولكن كوبرنيقوس لاحظ أن هذا التعقيد يزول ببساطة عندما نعتبر التفسير التالي: الشمس هي المركز وليست الأرض. ورغم معارضة العلماء لهذه الحقيقة كونها تتعارض مع إيمان الإنسان في المراحل السابقة، إلا أنها كانت هي الحقيقة. وهذا حال الحقيقة دائماً، شاملة بحيث لا تحتاج للإضافات لتفسير كل صغيرةٍ وكبيرة. وليس المقصود بالبساطة قدرة الإنسان الجاهل أو العامي على فهمها، ولكن المقصود احتياجها للتبريرات الإضافية. فالتفسير الصحيح يفسر الواقع من خلال منظومة واحدة، لأن الكون بنفسه مترابط ومتداخل وهو منظومةٌ واحدة.

6- للعملية ومحيطها علاقات متداخلة يجب اعتبارها فيما أسميه (المسار الطبيعي): فمثلاً، عند عدم وجود تأثيرات خارجية، فإن بذرة النبات ذات الجنين الحي ستنمو إلى نبتة حالما تتعرض للسقي المعتدل ودرجة حرارة مناسبة وإضاءة شمسية منتظمة وكافية بعد وضعها في تربةٍ معتدلة. ولكن قد تتدخل في هذه العملية عوامل شتى، قد يسحبها النمل إلى بيتها لتخزينها بفصل الشتاء، وقد تتعرض لمادة سامة للنبات قد يلقيها شخصٌ ما في أحد الأوقات عليها... إلخ. وهذا لا يعني أن جملة "سقي البذرة ذات الجنين الحي يدفعها للنمو" هي جملةٌ خاطئة، بل يعني أن التجربة التي أقيمت لم تكن محفوظةٌ ضمن الظروف المعيارية.

لا تقبل بشيءٍ على أنه حقيقةٌ طالما لم يتخطى هذه المعايير:القدرة على تعريضه للاختبار والتخطيء، الشمول، الاتساق المنطقي، الانطباق مع الواقع، أخذ العلاقات التراكمية مع المحيط بعين الاعتبار. ويجب عليك في حال عدم قدرة أي تفسير على تخطي هذه الشروط أن تقول وبكل قوة وثقة أنه لا يتعدى الوهم وهو مجرد هراء! ولنا لقاء في المقالات القادمة.

ليست هناك تعليقات: